علي بن محمد البغدادي الماوردي

281

أدب الدنيا والدين

بصير بأعقاب الأمور كأنما * يرى بصواب الرأي ما هو واقع ومنها ما يرى من نفور الناس عنه وبعدهم منه فيخافهم إما على نفسه من عداوة أو على عرضه من ملامة فيتألفهم بمعالجة نفسه ويراهم إن صلحوا أجدى نفعا وأخلص ودّا . وقال ابن العميد رحمه اللّه تعالى : داوي جوى بجوى وليس بحازم * من يستكف النار بالحلفاء « 1 » وقال المؤمل بن أميل لا تحسبوني غنيا عن مودّتكم * إني إليكم وإن أيسرت مفتقر ومنها أن يساعد القضاء ويستسلم للمقدور ولا يرى أن يغالب قضاء اللّه فيرجع مغلوبا ولا أن يعارضه في أمره فيردّ محروما مسلوبا . وقد قال أردشير بن بابك : إذا لم يساعدنا القضاء ساعدناه . وقال محمود الورّاق : قدر اللّه كائن * حين يقضي وروده قد مضى فيك علمه * وانتهى ما يريده وأخو الحزم حزمه * ليس مما يزيده فأرد ما يكون إن * لم يكن ما تريده فإن اظفرته السعادة بأحد هذه الأسباب وهدته المراشد إلى استعمال الصواب سلم من سقامه وخلص من غرمه واستبدل بالنقص فضلا واعتاض من الذم حمدا فإن من استنزل نفسه عن مذمة وصرفها عن لائمة فهو أظهر حزما وأقوى عزما ممن كفته النفس جهادها وأعطته قيادها ولذلك قال علي ابن أبي طالب رضي اللّه عنه : خياركم كل مفتّن « 2 » توّاب . وإن صدّته الشهوة عن مراشده وأضله الحرمان عن مقاصده فانقاد للطبع اللئيم وغلب عليه الخلق الذميم حتى ظهر حسده واشتدّ كمده فقد باء بأربع مذام : إحداهن حسرات الحسد وسقام الجسد ثم لا يجد لحسرته انتهاء ولا يؤمل لسقامه

--> ( 1 ) الحلفاء : نوع من الحشيش ، يوقد به النار ، « وداوى » من المداواة « والجوى » مرض مزمن في القلب أو في الصدر ، واحتراق القلب من شدة الوجد والعشق . ( 2 ) كل مفتن : كل ممتحن يمتحنه اللّه بالذنب ثم يتوب عليه ثم يعود ثم يتوب عليه .